بدت الرحلة إلى الكنيسة المهجورة كموكب جنائزي. قادها رجلان من أتباع الرعية المخلصين للكاهن بتعصب، وسارا بها عبر الوحل. استُبدل فستانها الجميل بثوب رمادي خشن يخدش جلدها ويتدلى بلا شكل عن كتفيها. وقفت الكنيسة ككائن جريح في نهاية الحقول، نوافذها مغلقة بألواح خشبية، الصليب مائلاً، والحجارة مغطاة بالطحالب والعفن.
كان الهواء داخلها كثيفاً برائحة التراب الرطب والعفن واليأس القديم. هذا سيكون عالمها لأربعين يوماً. كان صموئيل وخوسيه وإسحاق موجودين بالفعل، أُحضروا قبلها دون تفسير. تبعتهم أعينهم وهي تدخل، وأغلقت الباب خلفها. لم ينظر إليها برحمة ولا بقسوة، بل بحذر وشك.
هذه الفتاة – البيضاء الهشة من بيت جلاديهم – أُدخلت إلى حياتهم كفخ جديد، كمنعطف آخر في معاناتهم اللامتناهية. لم يكونوا سجانيها، بل كانوا شركاء سجنها. لكن في تلك اللحظة الأولى، لم يدرك أحد منهم ذلك بعد. وصل الكاهن أليستيستر عند الغروب لبدء الطقس.حمل وعاء خشبياً، ومنشفة خشنة، وابتسامة جعلت لهب الشمعة يرتجف من القلق.
“إليزا”، أمرها، “اركعي”. ركعت على الحجر البارد. أُجبر الثلاثة على الجلوس على مقعد مك. سور أمامها. كان عليها غسل أقدامهم. ليس كعمل رحمة، ولا كتعبير مسيحي، بل كإذلال. ملأ صوت الكاهن الكنيسة كالدخان:
“كما غسلت التائبة أقدام الرب، هكذا تغسل أقدام أكثر الناس تواضعاً بينكم، لتتذكري مكانك تحت الله”. كانت المياه باردة كالجليد. ارتجفت يداها. أقدام صموئيل محفورة بعلامات حياة كاملة في الحقول. ارتعد خوسيه عند أول لمسة.
أما إسحاق فكان يحدق في الأرض، عاجزاً عن النظر. هكذا بدأت أيام إليزا الأربعين، ليس كتكفير عن خطيئة، بل كعــ,قاب على فضول بريء. كان الكاهن يرى في كل نظرة تساؤل، وفي كل سؤال تمرداً يهدد سلطته المطلقة.
لم يكن يبحث عن خلاص روحها، بل عن إخضاع كامل لإرادته. وفي تلك الكنيسة المهجورة، بين الجدران المتآكلة والروائح الكئيبة، بدأت قصة لم تكن تتحدث عن الإيمان، بل عن السلطة المطلقة التي تتحول إلى طغيان، وعن فتاة دفعت ثمن تفكيرها في عالم لا يسمح بالأسئلة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.