بنتي عندها متلازمة داون

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

في الشهر التاسع، دخلت رحمة غرفة العمليات لقيصرية مُحددة مسبقًا عشان تفادي أي مضاعفات. قعدت بره في الممر، أفرك في إيديا وأدعي. كانت أطول ساعة في حياتي. كل لحظة كانت بتفوت عليا كأنها سنة.

لحد ما سمعت أخيرًا صرخة طفل صافية اخترقت هدوء الممر…
طلعت الدكتورة وبابتسامة تعب قالتلي: “مبروك يا مدام منى… بنتك جابت بنوتة زي الفل، ورحمة بخير وحالتها مستقرة تمامًا.”
دموعي نزلت من غير ما أحس. دخلت الأوضة بعد ما رحمة فاقت من البنج.

كانت عينيها زايغة وبتدور عليا، وأول ما شافتني قالت بضعف: “ماما… فين البيبي؟ جِه؟”
الممرضة جابت البنوتة الصغنونة الملفوفة بلفافة بيضا، وحطتها في حضن رحمة. اللحظة دي… ورب العرش، اللحظة دي غيرت نظرتي للوجود كله.

رحمة بصت للبنت الصغيرة… عينيها الدموع غرقتها، بس كانت ابتسامتها أصفى وأجمل ابتسامة شفتها في حياتي. رفعت إيدها بالراحة خالص، وحطت صباعها الصغير في كف المولدودة اللي قفلت عليه بغريزة الفطرة. رحمة بصتلي وقالت بصوت بيهز الروح: “ماما… دي صغنطوطة أوي… زي العروسة القماش بتاعتي بس بتتنفس!

بصي يا ماما… بتضحكلي.”
سميناها “فريدة”.فريدة اتولدت كاملة النمو، معافاة، وما شاء الله ما حملتش سِمات متلازمة داون ولا أي مشاكل وراثية. اتولدت ونورت بيتنا الصغير بشكل ما حدش كان يتخيل إن ممكن يخرج من الرحم ده كل الضوء ده. مرت الأيام والسنوات بعد الولادة…

رحمة كبرت، وفريدة كبرت معاها. البيت اللي كان دايماً خيم عليه الهدوء والحزن بعد ما جوزي سابنا زمان، بقى مليان حركة وضحك وشقاوة. ورحمة؟ رحمة أثبتت لكل الدكاترة والأخصائيين إن الفطرة الإنسانية للأمومة أقوى من أي معدل ذكاء وأعلى من أي تقرير طبي.

بعلمها وبساعدها في كل خطوة؛ أنا الأم الكبيرة، ورحمة الأم الصغيرة. رحمة كانت هي اللي بتسهر معاها لما تسخن، تخبي ألعابها عشان تديها لفريدة، وتقعد تعمل لها ظفائر في شعرها وهي بتغني نفس الأغنية الطفولية القديمة.

النهاردة… فريدة عندها سنة ونص، بتجري في الصالة وبتردد كلمة “ماما” وهي بتجري ورا رحمة، ورحمة بتجري وراها بضحكتها الرنانة اللي بترد الروح في البيت. أوقات كتير بالليل، لما البيت يهدى والكل ينام، بقعد في الصالة وبطلع من درجي العلبة الصفيح القديمة.

بفتحها وأبص للإسورة الورق المتنية… الإسورة الملونة اللي كانت بتاعة الملاهي. الإسورة دي كانت في يوم رمز للأزمة.. لكن ربنا سبحانه وتعالى بحكمته ورحمته، قدر يقلب ألمها للسبب اللي جاب لنا “فريدة”، وللسبب اللي كشف الحق ورفع عن أطفال كتير الظلم، وللسبب اللي خلاني أعرف إن بنتي رحمة مش بس بنت بمتلازمة داون… دي أطهر وأعظم أم شفتها في حياتي.

بصيت لرحمة وهي نايمة وفي حضنها فريدة الصغيرة، وعروستها القماش القديمة مرمية جنبهم على السرير، وحسيت برضا غريب مالي قلبي. قربت منهم، غطيتهم بالراحة، وبست راس رحمة وهمست في أذنها: “أنتِ مش بس رحمة يا حبيبتي… أنتِ رحمة من ربنا لينا كلنا.
”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NR

Nasr Rafat ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
219مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

صد.مة شهر العسل روايات

صد.مة شهر العسل

في رحلة شهر العسل، البحر دوّخني، فرجعت للكابينة أدور على دوا يهدّي معدتي. ماكنتش أعرف إن ر…

Nasr Rafat 0.0 13 دقائق