تنقل بين وظائف مؤقتة لا تدوم علاقات فاشلة تنتهي قبل أن تبدأ وليل طويل لا ينتهي مهما أشرقت الشمس. كان يعيش على الهامش يراقب الحياة تمر دون أن يشعر أنه جزء منها. كان يرى اسم صوفيا في الأخبار في افتتاح المستشفيات في المبادرات الإنسانية في العناوين الكبرى في كل مكان.وكان يتذكر كل مرة تلك اللحظة الوحيدة التي انكسر فيها كل شيء.
لم يحمل العالم ذنبه ولم يلع الحظ. في أعماقه كان يعرف الحقيقةلم يخسر لأنها كانت قويةبل لأنه كان أعمى.بعد عامين صار اسم صوفيا رمزا للقوة الممزوجة بالرحمة. لم تعرف بانتقامها لأن الانتقام لا يترك أثرا دائما. عرفت بعدالتها بثباتها بقدرتها على تحويل الألم إلى نظام يحمي الآخرين. لم ترفع صورتها كضحية خرجت من تحت الركام بل كصانعة قرار اختارت أن تبني لا أن تحترق.
لكن بعض الناس لا يتعلمونولا يفهمون أن الفرص لا تمنح مرتين.في إحدى الليالي وخلال حفل خيري كبير امتلأت القاعة بالأضواء والكاميرات. كانت صوفيا واقفة بثبات محاطة بالتصفيق حين ظهر جيسون من بين الحضور. كان شاحبا نحيلا بعينين غارقتين في التعب كأن الحياة مرت عليه مرارا ولم تترك له سوى آثارها.توقفت الكاميرات.
تجمد المكان.ركع أمامها أمام الجميع وكأنه يضع ما تبقى من كرامته على الأرض. لم يكن في ركوعه مسرحية بل انهيارا كاملا.لم يبق لي شيء قال باكيا.أريد رحمتكنظرت صوفيا إليه من عل. لم تتراجع خطوة ولم تتقدم خطوة. لم تشعر بالانتصار لأن الانتصار كان قد تحقق منذ زمن. ولم تشعر بالشفقة لأن الشفقة بلا كرامة إهانة أخرى.
انحنت قليلا ليس لتساعده على النهوض بل لتهمس بصوت لا يسمعه إلا هوالرحمةتمنح لمن يعرف كيف يكون إنسانا.ثم استقامت وأدارت ظهرها وتركته هناكراكعا في الضوء تماما كما تركها يوما وهي تنزف بلا صوت وبلا سند.وفي النهايةافتتح مستشفى جديد.لم يكن الأضخم ولا الأفخم لكنه كان الأصدق.
على بابه لوحة بسيطة بلا زخرفة لكنها تحمل معنى أثقل من الذهب كتب عليهاإلى كل أم أهينت وهي تنزفهذا المكان وجد من أجلك.وقفت صوفيا وسط التصفيق.لا كامرأة انتقمت.ولا كامرأة كسرت غيرها.بل كامرأة عرفت قيمتهاوفهمت أن القوة الحقيقيةليست في رفع الصوتولا في كسر الآخرينبل في أن تنهضيوتضعي حدودا لا تكسروألا تسمحي لأحدأن يطأكمرة أخرى.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.