أمى قبل ما تموت

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

أحمد أولى بيهم يفتح بيهم مكتبة محترمة جنب المدرسة، ولا يعمل بيهم مشروع يضمن بيه مستقبله ومستقبل عيالكم اللي جايين. الشقا مش عيب يا بنتي، العيب إنك تخبي على جوزك وتعملي من وراه. أنا مخبيتش! صړخت واكتشفت إن صوتي عِلي في صالة البنك، والناس بدأت تبص علينا. الموظف اتنحنح وقال ببرود محترفين يا جماعة، لو سمحتوا، مفيش داعي للصوت العالي.

يا مدام، الحساب باسمك إنتي، وحضرتك الوحيدة اللي ليكي حق السحب أو الربط، شوفي إنتي عايزة إيه وعرفيني عشان ورايا عملاء تانيين. أحمد قرب مني، وحط إيده على كتفي بنفس الحنية القديمة اللي خلتني في يوم من الأيام أوافق عليه. نفس ريحة معجون السنان بالنعناع، ونفس النبرة الهادية اللي بتطلع بالهداوة يا حبيبتي، امسحي دموعك وصلي على النبي. أمك الله يرحمها كانت ست دقة قديمة، ما تعرفش في التجارة ولا السوق.

ال 350 ألف جنيه دول لو اتحطوا في شهادة، السنين هتاكل قيمتهم. أنا لقيت حتة أرض صغيرة على أول الداير، صاحبها مزنوق وهيبيعها بتراب الفلوس. هنشتريها ونبني عليها مخزن ونجره لشركة شحن. في ظرف سنة، الفلوس دي هترجعلك الضعف. أنا مش طمعان في حاجتك يا زهرة، أنا بس خاېف على مصلحتنا. شيماء أختي جوزها لسه عامل الحركة دي وما شاء الله، بقوا في حتة تانية.

كلامه كان عامل زي البنج، بيبج المخ، بس قلبي كان رافض. افتكرت علبة القطيفة الحمرا اللي نايمة في دولابي، وافتكرت نظرة عيون أمي الحادة وهي بتقول لي ماتتمدش إيدك عليها لحد.. لا إنتي ولا غيرك يلمسها. مش هسحب يا أحمد. قلتها وأنا بنشف دموعي بطرف طرحتي، وبصيت للموظف كمل الإجراءات يا أستاذ، اربط الفلوس شهادة تلات سنين والعائد ينزل في الحساب. وش أحمد اتقلب في ثانية.

المدرس الهادي، الرزين، اختفى، وظهر مكانه راشد تاني خالص عروق جبهته برزت من تحت النضارة، وصوته وطى بس كان زي فحيح الأفعى بقى كدة يا زهرة؟ بتكسري كلامي قدام أمي وقدام الغريب؟ بتفضلي كلام ميتين على مصلحة الحي اللي عايش معاكي؟ حماتي سحبت ابنها من دراعه وقالت بغل واضح سيبها يا أحمد.. سيبها يا بني، اللي أوله شرط آخره رضا. شكلها كدة واخدانا على طمع وشايفة إننا جايين نسرقها.

يلا بينا، والبيت يجمعنا. فات تلات أيام على خناقة البنك. تلات أيام والبيت عامل زي القپر. أحمد ما بيكلمنيش، يدخل من المدرسة يغير هدومه، ياكل اللقمة اللي أمه بتعملها من ورايا، ويدخل ينام في الأوضة التانية. وحماتي، متبطليش دندنة بأغاني حزينة وصوت الهون شغال من الفجرية كأنها بتعاقبني على صحياني. شيماء أختها مجتش البيت، بس كانت بتلقح عليا ببوستات على الفيسبوك عن الأصل الطيب والست اللي بتصون جوزها في أزمته.

في الليلة الرابعة، كنت قاعدة في الصالة لوحدي، بهبب نفسي بالهوا، والجو كان حر وخنقة. أحمد خرج من الأوضة، وبصلي بنظرة خالية من أي مشاعر، وقعد على الكرسي اللي قدامي. زهرة.. أنا فكرت كتير في اللي حصل. قالها وهو بيقلع نضارته ويمسحها بياقة قميصه. ياريت تكون فهمتني يا أحمد، أنا مش قصدي أقف في طريقك، بس دي وصية أمي، وأنا مقدرش أخون الست اللي شقيت عشان تسيبلي القرشين دول. تمام.. وصية أمك على عيني ورأسي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NR

Nasr Rafat ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
219مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

صد.مة شهر العسل روايات

صد.مة شهر العسل

في رحلة شهر العسل، البحر دوّخني، فرجعت للكابينة أدور على دوا يهدّي معدتي. ماكنتش أعرف إن ر…

Nasr Rafat 0.0 13 دقائق