صُنع من ورق فاخر وفاحت منه رائحة عطر رجالي باهظ الثمن أعادتني فور استنشاقها سنين إلى الوراء. فتحت الدعوة فقرأت: "كريم السيوفي ورانيا فؤاد يتشرفان بدعوتكم لحفل زفافهما... "وداخل البطاقة، وُضعت قصاصة صغيرة كُتبت بخط يده المألوف:"احضري يا ليلى.. أريدكِ أن تشاهدي الحياة التي أضعتِها بيدكِ. حجزتُ لكِ مقعدًا خاصًا في المقدمة، حتى تري كل شيء بوضوح تام.
" ارتعشت يداي وأنا أقرأ الكلمات، وفجأة علا صوت ضحكات وركض في بهو المنزل:"ماما! انظري!"التفتُّ فرأيت آدم وياسين ولارا يقفون أمامي، وقد تلطخت ملابسهم بألوان الرسم، حاملين لوحة كرتونية عريضة كُتبت عليها عبارة بأحرف صغيرة غير منتظمة: "نحن نحبكِ يا أمي".في تلك اللحظة سكن اضطرابي تمامًا، وهدأ خفقان قلبي. نظرت إلى بطاقة الدعوة، ثم أعدت بصري نحو أطفالي، وارتسمت على شفتي ابتسامة هادئة وحاسمة.
همست وأنا أغلق الظرف:"حسنًا يا كريم.. طالما أنك تصر على حضوري، فسآتي بالتأكيد." انحنيت نحو لارا وأصلحت شريط شعرها، ثم تأملت عيني آدم الرماديتين اللتين ورث لونهما وشكلهما بدقة من والده، وقلت لهم بحماس:"ما رأيكم لو نذهب غدًا لحضور حفل زفاف؟ "قفز ياسين من مكانه فرحًا وقال:"حقًا؟! وهل سأرتدي بدلتي السوداء؟"ضحكت محاولة إخفاء التوتر الذي يسكنني، وقلت له:"نعم يا بني، سنكون أفضل الحاضرين هناك.
" وفي تلك الليلة، ارتديت فستانًا أسود طويلًا ولافتًا، وألبست صغاري ملابس أنيقة بدوا فيها كأطفال يخرجون من إعلان مصور. صعدت السيارة وأنا أدرك تمامًا أن اللحظة التي سيقع فيها بصر كريم عليّ وأنا أخطو داخل القاعة، ممسكة بأيدي ثلاثة أطفال يحملون ملامحه بدقة مذهلة، سيعلم حينها أن القدر قد يتأخر في الرد، لكنه حين يفعل يكون رده قاطعًا وقاسيًا.
وصلنا إلى الفندق؛ كانت الأضواء الساطعة تغمر المكان، وأنغام الموسيقى تملأ الأرجاء، والحاضرون منشغلين بالضحك والتقاط الصور التذكارية. أما أنا، فلم أكن أسمع سوى صدى دقات قلبي. أخذت نفسًا عميقًا، وأحكمت قبضتي على أيدي صغاري، ثم خطوت بهم إلى داخل القاعة ..الجزء الثاني ..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.