كتب في سبتمبر 1945 ما معناه إنهم يسموننا الآن وحوشا. ربما كنا وحوشا لكننا كنا أيضا رجالا. رجالا اعتقدوا أنهم يفعلون الصواب لبلادهم. سيحكم علينا التاريخ لكن تاريخي على الأقل سيحفظ هنا بكلماتي. لم تكن اعترافات. لم يظهر ريختر ندما حقيقيا. كان يشرح يبرر يعقلن. بالنسبة إليه كان قد أطاع الأوامر وخدم وطنه وأدى واجبه. وأن ذلك الواجب شمل فظائع لم يواجهه صراحة. لكن دفاتر الخمسينيات والستينيات أظهرت تطورا.
كانت الوحدة تغيره. بدأ يكتب مقاطع أكثر فلسفة لا يشكك فيها في أفعاله بقدر ما يشكك في معناها. كتب في 1963 ما معناه أنا جبان ليس لأني اختبأت بل لأني لا أملك الشجاعة لمواجهة ما فعلته. أقول لنفسي إنني أحفظ كرامتي برفضي أن يحاكمني منتصرون منافقون لكن الحقيقة أنني لا أستطيع أن أنظر في عيون عائلات أولئك الذين قتلتهم.
أما دفاتر السبعينيات والثمانينيات فبدت فيها علامات انحدار نحو ما يشبه الجنون. صارت الملاحظات متقطعة ومتكررة. كان يكتب الجمل نفسها مرارا كأنها تعاويذ لا أخاف أنا حر لن يجدني أحد. لكن آخر دفاتره في التسعينيات وبدايات الألفية أظهرت رجلا وصل إلى سلام غريب. تقبل أنه سيموت في الكهف. تقبل أن لا أحد سيبكيه. تقبل أن خلوده الوحيد سيكون في هذه الدفاتر إذا كشف عنها يوما.
كانت آخر ملاحظة بتاريخ 7 يناير 2003 ومعناها أشعر أن النهاية تقترب. رئتي لم تعودا تعملان. بالكاد أستطيع الوقوف. لكنني سأموت كما عشت هذه الستين سنة الأخيرة حرا بطريقتي. من يقرأ هذا فليعلم أنني لم أستسلم قط. لا للحلفاء ولا للسوفييت ولا للتاريخ. اخترت قدري وقبلته. كلاوس ريختر عقيد الفيرماخت حتى النهاية.
أغلق آدلر الدفتر ونزع نظارته ومسح عينيه المتعبتين. كان قد قرأ ست عشرة ساعة متواصلة. خارج الغرفة كان الليل قد هبط على أوتشتال. سألته ليزا بهدوء ما رأيك أجاب آدلر ببطء أظن أن هذا أحد أهم وأشد الوثائق اضطرابا التي قرأتها. ليست يوميات ندم وليست تمجيدا للنازية. إنها شيء آخر شهادة رجل رفض أن يشارك في العدالة والمصالحة بعد الحرب واختار عزلة كاملة بدل المواجهة.
سألت وماذا سيحدث لهذه الدفاتر قال بثقة ستنشر لا لتمجيد ريختر بل لأن التاريخ يحتاج كل الزوايا حتى الأكثر إزعاجا. هذه الدفاتر تظهر أن النازية لم تكن شأن وحوش غير بشرية فقط بل كانت أيضا شأن رجال عاديين اتخذوا قرارات سيئة على نحو استثنائي. وهذه اليوميات تظهر نتائج تلك القرارات حياة كاملة في الاختباء وخداع الذات ورفض مواجهة الحقيقة. انتشر خبر الاكتشاف بسرعة. توافدت وسائل الإعلام من كل العالم.
جاءت العناوين صاخبة ومثيرة عقيد نازي اختبأ 79 عاما في كهف نمساوي الأيام الأخيرة للرايخ تكشفها يوميات سرية مرسيدس العار. طالبت منظمات يهودية بفحص الدفاتر بحثا عن أدلة محددة على جرائم حرب. ووعدت الحكومة النمساوية بتحقيق شامل. وتجادل المؤرخون حول أخلاقيات نشر كتابات نازي غير نادم لكن لم يستطع أحد إنكار أهميتها التاريخية. كان ريختر قد اختفى عام 1945 وعاش مختبئا حتى 2003 ثمانية وخمسون عاما من العزلة الطوعية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.