اليوم يستقبل الموقع التذكاري لكهف ريختر نحو خمسة عشر ألف زائر سنويا مجموعات مدرسية مؤرخون وسياح فضوليون. ينزل الجميع في الدرب نفسه الصعب الذي سلكه ريختر عام 1945. يدخلون القاعة نفسها حيث عاش ومات. لم تعد المرسيدس هناك لكن موضعها محدد بعلامة. يستطيع الزوار رؤية المكان الذي أوقف فيه ريختر سيارته والمكان الذي أنشأ فيه مساحة معيشته البدائية والمكان الذي كتب فيه يومياته الطويلة.
وفي نهاية الجولة توجد قاعة للتأمل. الجدران ليست مغطاة بصور ريختر بل بصور ضحاياه جنود سقطوا في المعارك التي قادها ومدنيون علقوا في عمليات شارك فيها وأسر دمرتها الحرب التي خدمها. وفي اللوحة الأخيرة سؤال بسيط لكنه ثقيل عاش كلاوس ريختر مختبئا 58 عاما هربا من العدالة. هل نجح أم أنه حول حياته كلها إلى سجن طويل فرضه على نفسه لا تقدم إجابة. يترك للزائر أن يقرر.
تبقى جبال النمسا شامخة ومهيبة وتبقى الكهوف غامضة لكنها تحمل الآن ثقل قصة تقول إن الأسرارمهما أخفيت بإحكامتنكشف في النهاية. هرب كلاوس ريختر من نورمبرغ وهرب من السجن وهرب حتى من مواجهة علنية لجرائمه طوال حياته لكنه لم يهرب من التاريخ ولم يهرب من الحقيقة التي كتبها بيده في 143 دفترا.
مات كما اختار أن يعيش معزولا غير نادم رافضا حتى النهاية أن يشارك في العدالة والمصالحة بعد الحرب. وعندما عثر على جثته بعد تسعة وسبعين عاما من حياته صار أخيرا ما كان يرفض أن يكونه وهو حي مثالا عاما على عواقب الإنكار والفرار. الكهف يتذكر والدفاتر تشهد والعالم لا ينسى.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.