لم يكن مكبل اليدين.كان يمشي ورأسه مرفوع لا تكبرا بل بكرامة إنسان استعاد شيئا من نفسه.عينيه اللتان كانتا غارقتين في اليأس تلمعان الآن بأمل متواضع.ملابسه بسيطة لكن نظيفة.لم يعد يعامل كخطر بل كإنسان ينتظر مصيره.
كانت سيسيليا جالسة في الصف الأول بجوار جدتها.
ترتدي فستانا جديدا هدية من أحد الذين تأثروا بقصتها وأرسلوا تبرعات للعائلة.كان شعرها مصففا بعناية لكن ما تغير حقا كان وجهها.هناك سكينة لم تكن لفتاة في عمرها لكنها جعلتها شبه مضيئة.
ثم فتحت الأبواب الجانبية.وقف الجميع فورا ليس التزاما بالبروتوكول بل بدافع احترام تلقائي وذهول عميق.لأن والتر دخل وهو يمشي.ليس على كرسي متحرك ولا مستندا إلى عكازات بل يمشي بخطوات ثابتة واثقة تكاد تكون مهيبة.كان يرتدي الرداء الأسود ذاته لكن جسده يحمل نفسه بطريقة مختلفة تماما.
لم يعد الرجل المنحني بثقل مرارته بل شخصا أعيد بناؤه من الداخل.انتشر همس إعجاب في القاعة.بعض الناس بكوا لمجرد رؤيته.ابتسم آخرون ابتسامة واسعة كأنهم يشاركونه نصرا شخصيا. حتى بعض الحراس ذوو الملامح الصارمة مسحوا أعينهم بخفية.صعد والتر إلى منصته بخطوات بطيئة لكنه لم يحتج إلى مساعدة.
ما إن جلس على كرسي القاضي العادي لا كرسي العجز حتى التقت عيناه بعيني سيسيليا.أومأ لها برأسه إيماءة خفيفة لكنها مشحونة بشكر لا ينتهي.تنحنح كاتب المحكمة وهو يحاول السيطرة على انفعالهنتابع جلسة القضية رقم 47 892 برئاسة القاضي والتر مينديس وحضور المتهم رودريغو سانتوس.
لتبدأ المرافعات الختامية.عدل والتر نظارته ونظر حوله قبل أن يتكلم.وحين تكلم كان صوته ثابتا لكن فيه دفء لم يكن موجودا من قبلقبل أن أنطق بالحكم في هذه القضية يجب أن أعترف علنا بما كان ينبغي أن أعترف به منذ سنوات طويلة.
خلال مسيرتي حكمت في مئات القضايا بقسوة ظننتها عدلا. طبقت القانون دون أن أرى الإنسان كاملا أمامي. وبذلك سببت معاناة لا داعي لها لعائلات كثيرة.توقف وترك كلماته تستقر في الوجوهفي الأسابيع الماضية راجعت بنفسي 23 قضية قديمة أعتقد أنني كنت فيها مبالغا في القسوة.
قضايا كان يمكن أن تستخدم فيها عقوبات بديلة بدلا من السجن. أعمل الآن مع النيابة والدفاع العام لإعادة تقييم هذه الأحكام.بدأ التصفيق لكن والتر رفع يده بلطف طالبا الصمتهذا ليس فضلا مني بل واجب. محاولة إصلاح ما أفسدت.
وهذا ما جاء بي اليوم لأحكم في قضية رودريغو سانتوس بعينين جديدتين.كان رودريغو يتنفس بسرعة ويداه متشابكتان بقوة حتى ابيضت مفاصله.فتح والتر الملف أمامه وبدأ يقرأ لكن هذه المرة لا بجفاء بل بوقار يتناسب مع ثقل ما يقولرودريغو سانتوس لقد اختلست ثلاثمئة ألف ريال من أموال عامة مخصصة لبرامج اجتماعية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.