في نفس اليوم حكايات شروق خالد في نفس اليوم اللي دخلت فيه السجن، اتلمت عليها التلاتة اللي ماسكين العنبر، ووقفوا للحاجة اللي عندها ٧٨ سنة في حلقة. طلبوا منها تطلع كل اللي معاها بالهدوء، لكنها رفضت، وده فتح عليها باب معاملة قاسية ما كانتش متوقعة. بس اللي ما كانوش عاملين حسابه، إن فيه حاجة هتقلب الموازين كلها كانت على وشك تحصل… الحاجة أمينة وصلت السجن بدري جدًا.
كانت ست بسيطة، مالهاش صوت، ماسكة في إيديها شنطة قماش صغيرة فيها حاجاتها، ومضمماها على صدرها، وعينيها بتلف في المكان بخوف وحذر. ست عندها ٧٨ سنة، سمعها ضعيف وحركتها بطيئة، وتبان غلبانة لدرجة إن كل اللي في السجن عينيهم راحت عليها أول ما دخلت. بعد ما خلصوا إجراءات التفتيش، السجانة أخدتها من إيدها لحد العنبر، وأشارت لها على السرير وقالت: “كمان شوية هينزلوا الكل على الحوش.
” الست الغلبانة ما أخدتش بالها إن العيون كلها كانت متابعاها. في الحوش، كانت واقفة واحدة بيسموها “الشفُرة”، والكل كان بيتجنب الاحتكاك بيها. واحدة قوية الملامح وشكلها حاد، وماشية وراها اتنين من صبيانها ينفذوا كلامها قبل ما تكمله. أول ما الشفُرة لقطت الوافدة الجديدة، شفايفها اتلوت بابتسامة ساخرة. “شوفوا جابولنا مين!” البنتين اللي معاها ضحكوا. الحاجة أمينة حاولت تمشي وتفادي المشاكل، لكن الشفُرة وقفت في طريقها.
قالت الحاجة أمينة: “أرجوكي يا بنتي… بلاش كده.” الشفُرة ضحكت بصوت عالٍ.“اسمعوا الست! وبترد كمان وبتقولنا نعمل إيه وما نعملش إيه!” ثم أشارت لشنطتها. في لحظة كانت الشفُرة سحبت الشنطة من إيدها وقلبتها على الأرض. وقع منها مشط قديم، وشوية صور متطبقة، ومنديل، وعلبة صغيرة. البنات قعدوا يضحكوا.“إيه الحاجات دي؟ إحنا ضيعنا وقتنا عشانها؟” الحاجة أمينة وطت في صمت عشان تلم حاجتها من الأرض. واحدة من البنات دفعت صورة برجليها وطيرتها بعيد.
“غوري من وشنا وروحي لمي حاجتك.” السجينات كانوا واقفين يتفرجوا من بعيد، لكن ولا واحدة قدرت تتدخل. الكل كان عارف الشفُرة، وعارف إن اللي يدخل في مشكلة معاها ممكن يتعرض لمتاعب كبيرة. الحاجة أمينة جابت الصورة بالراحة وجمعتها. ولسه بتعدل ظهرها عشان تقوم، راحت الشفُرة دافعاها من ظهرها. العجوزة اختل توازنها ونزلت على ركبها. ضحك البنات علي صوتهم.
“إنتِ إيه اللي جابك هنا أصلًا؟” واحدة منهم قالت بسخرية: “إنتِ مكانك في دار رعاية ولا مكان لكبار السن! ” حاولت تقوم تاني. لكن البنت التانية دفعتها بقوة أكبر، فوقعت على الأرض. قالت العجوزة وهي بتلهث: “خلاص… الله يخليكم.” لكن رجاءها زود توترهم. الشفُرة أمسكتها من ملابسها ورفعتها للحظة، ثم قالت: “هنا كلمتنا هي اللي تمشي!” الحاجة أمينة حطت إيديها على رأسها تحاول تحمي نفسها. والتلاتة استمروا في مضايقتها ودفعها من كل ناحية.
الهدوء نزل على الحوش فجأة. الكل واقف يتفرج، ومحدش مستعد يتدخل. كان باين إن مفيش حد يقدر يوقف الشفُرة وصبيانها. وفجأة… حصلت اللحظة اللي محدش في السجن كله كان عامل حسابها. الشفُرة جمدت في مكانها. والابتسامة اختفت من وشها. بصت للحاجة أمينة، ولأول مرة ظهر التوتر الحقيقي في عينيها. لأن في اللحظة دي بالذات… حقيقة الست الغلبانة صاحبة الـ٧٨ سنة بدأت تتكشف للكل.
وفجأة حصلت حاجة خلت الحوش كله يسكت. الشفُرة كانت لسه ماسكة الحاجة أمينة من هدومها، لكن أول ما بصت في وشها، إيدها ارتخت. الحاجة أمينة رفعت راسها ببطء. ولأول مرة من ساعة ما دخلت السـ,ـجن، ملامح الخوف اختفت من وشها. بصت للشفُرة بنظرة ثابتة وقالت بصوت واطي لكنه واضح: “إنتِ عارفة أنا مين؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.