فاكتشفت إن جوزي هو العريس اللي بيتبارك له. جوزي كان بيجهز جوازته التانية وأنا آخر واحدة تعرف. بصيت عليه وأنا مش مصدقة اللي شايفاه. كان بيضحك، وبيوزع الشربات بنفسه، وبكل أريحية مال على بنت خالته وباس راسها. وعلى نفس التربيزة... كان المأذون قاعد. بيكتب كتاب أخوه، ومستني يخلص عشان يبدأ إجراءات جواز جوزي من واحدة تانية. ساعتها كل حاجة ركبت في بعضها.
فهمت معنى كلام أمه. وفهمت ليه كان مصر إني ماجيش. وفهمت ليه كانوا بيخفوا عني كل حاجة. هما مكنوش بس مخبيين جوازته. هما كانوا مجهزين حكاية كاملة للناس. مفهمينهم إني مريضة. وإني مبخلفش. وإن جوزي مضطر يتجوز واحدة تانية. وإن أنا موافقة على الجواز وقاعدة في بيتي راضية. كانوا عايزين يعملوا كل ده من ورا ضهري، من غير حتى ما يدوني فرصة أتكلم.
رجلي مكنتش شيلاني. وقلبي كان بيتقطع. لكن الغريب إني مروحتش أصرخ. ولا عملت خناقة. ولا حتى سمحت لدمعة تنزل. خدت نفس طويل... وطلعت من مكاني. مشيت ناحيتهم خطوة... وبعدها خطوة تانية... لحد ما بقيت واقفة قدام التربيزة الرئيسية بالظبط. أول ما عينه وقعت في عيني... وشه اتقلب. الضحكة اختفت من على شفايفه. ولونه بقى أبيض. الكوباية اللي كانت في إيده وقعت على الأرض واتكسرت، والشربات اندلق على بدلته الجديدة.
أمه شهقت، وبصتلي بړعب. أما بنت خالته، فسحبت إيدها بسرعة وبصت في الأرض. وفجأة... القاعة كلها سكتت. الزغاريد وقفت. والضحك اختفى. وكل العيون اتوجهت ناحيتي. وأنا فضلت واقفة قدامهم بهدوء. بعد خمس سنين من الصبر... اكتشفت إنهم كانوا بيجهزوا عروسة بدالي. لكنهم ارتكبوا غلطة واحدة بس... إنهم كانوا فاكرين إني هفضل ساكتة. لأن المرة دي.
..أنا اللي دخلت عليهم في اللحظة اللي كانوا فاكرين فيها إن كل حاجة خلصت. صوت الإزاز وهو بيتكسر كان أعلى حاجة في القاعة. الشربات الأحمر سال على البلاط الرخام، وساب بقعة فاقعة على طرف بنطلون بدلته الكحلي الجديدة. كل همسة، كل ضحكة، وحتى صوت المازيكا اللي كانت شغالة من بعيد، فجأة اتكتموا كأن شريط الفرح اتقطع پسكينة تلمة.
حسام فضل واقف متخشب، إيده اللي كانت ماسكة الكوباية لسه معلقة في الهوا، وعينيه مبرقة في وشي، مش قادر يستوعب إني واقفة بلحمي ودمي قدامه. لونه كان بيهرب منه بالتدريج، شفايفه نشفت، وحنجرته طلعت صوت مهزوز كأنه طالع من بير غريق ن... نور؟! نطق اسمي وكأنه لعڼة حلت عليه. أنا مكنتش بتحرك. فضلت مثبتة عيني في عينيه، أوزن نظراته اللي كانت بتنط ما بين الړعب والذهول، ومكنش في قلبي في اللحظة دي أي نبض خوف.
الخۏف ده شعور بيحسه الإنسان لما يكون عنده حاجة خاېف يخسرها، وأنا في الدقايق اللي فاتت دي، خسړت كل حاجة خسړت الخمس سنين، وخسړت عمري، وخسړت فكرة الراجل السند اللي بنيت عليه دنيتي. حماتي، اللي كانت قاعدة ومفروشة بضحكتها وفستانها الدهبي، وشها احتقن پالدم من الغيظ، عينيها طلعت شرار، وقامت وقفت بسرعة عشان تداري بنت أختها في ضهرها، وقربت مني بخطوتين سريعتين وهي بتهمس بصوت واطي ومسنون زي الموس إيه اللي جابك هنا يا مقصوفة الرقبة؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.