دفعني بكل قوته فسقطت على الأرض الخشبية الباردة، واشتد الألم في بطني، وشعرت ببرودة شديدة تسري في عظامي، والدم ما زال يتدفق، رطبًا ودافئًا ثم يبرد بسرعة تحت جسدي. نظرت إلى سقف الشقة، ثم إلى الساعة المعلقة على الحائط.. كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساءً. مرت خمس دقائق.. عشر دقائق.. نصف ساعة. كل دقيقة كانت تمثل لي عمراً كاملاً. كنت أحس بكل نبض في جسدي، بكل ألم يعتصرني، بكل خوف يملأ روحي.
كنت أخشى أن أغمض عيني لحظة فلا أستيقظ مرة أخرى. كنت أخشى أن يكون طفلي قد فارق الحياة بالفعل، وأنني سأمـ,ـوت هنا وحيدة، لا أحد يعلم بمصيري، والجميع يظن أنني هربت أو أنني تخلصت من نفسي بطريقة ما. سيف جلس على الكرسي المقابل لي، واضعاً ساقاً فوق ساق، ينظر إليّ بترقب وقلق يحاول إخفاءه خلف قناع من اللامبالاة.
ميرهان ذهبت إلى المطبخ وعادت بكوب شاي، تجلس وتحتسيه بهدوء مصطنع، وتلقي عليّ نظرات من حين لآخر مليئة بالاحتقار والانتصار المبكر. تتوقعي مين اللي جاي؟ قالت ميرهان وفمها ممتلئ بالشاي خالتك؟ جيرانك؟ لا أحد سيجئ يا مريم.. لا أحد يهتم لأمرك.. أنتِ غريبة هنا.. وأهلك بعيدون جداً.. جداً جداً.. ولم تكتفِ بذلك، بل نهضت وسارت نحوي، وانحنت فوقي، وقالت بصوت خفيس حاد كالإبر حتى لو جاء أبوكِ بنفسه.. سيف قال لك.
. عمنا مستشار كبير.. ونحن نملك علاقات قوية.. سنقول لهم إنك مصاپة باڼهيار عصبي.. وإنك حاولتي إيذاء نفسك.. وسنخرج من كل هذا نظيفين.. وأنتِ.. وأنتِ ستعيشين في عڈاب طويل.. صدقيني.. لم ترَي شيئاً حتى الآن. فجأة.. سمعنا صوتاً في الشارع أسفل العمارة. لم يكن صوت سيارة واحدة، بل كان صوتاً لعدة مركبات تقف بانتظام، أصوات محركات قوية، ثم انطفأت فجأة.
ثم صوت خطوات ثقيلة، منتظمة، تصعد السلالم.. خطوة.. خطوتين.. خمس درجات.. عشر.. سيف نهض بسرعة، وذهب إلى النافذة ينظر للأسفل، وعندما رأى ما يحدث في الشارع، تغير لون وجهه تماماً. صار شاحباً كالورق الأبيض، وتراجع خطوة إلى الوراء، وارتجف صوته وهو يقول ميرهان.. انظري.. تحت.. في الشارع.. ميرهان سارت ببطء نحو النافذة، وما أن رأت المشهد حتى سقط الكوب من يدها وټحطم على الأرض، وتناثر الشاي في كل مكان، تماماً مثل تناثر آمالها في السيطرة والتحكم.
أسفل العمارة، لم تكن هناك سيارة واحدة، ولا اثنتان. كانت هناك قافلة من السيارات السوداء الفارهة، مرتبة بانتظام، وفي المقدمة سيارة دفع رباعي ضخمة، وعلى جانبي الطريق رجال يرتدون ملابس رسمية، وقفون بوقار وهيبة، لا يتحركون، ولا يصدر عنهم صوت، لكن وجودهم وحده كان يملأ المكان بكل هيبة وقوة لا يمكن وصفها. ثم رأوه..
رجلاً في منتصف الستينيات من عمره، طويل القامة، ذا هيبة ووقار، يرتدي جلابة صعيدية بيضاء نظيفة، وعلى رأسه عمامة كبيرة، يمشي ببطء وثبات، لا يسرع الخطى، ولكن كل خطوة تحمل وزناً ثقيلاً. خلفه رجلان في منتصف العمر، وكلاهما ينظر للأمام بجدية تامة. هو.. عمي سيد.. أخو أبي الذي لم أره سوى مرتين في حياتي.. الرجل الذي قالوا عنه إنه مجرد مزارع بسيط في أقاصي الصعيد.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.