خلفه رجلان في منتصف العمر، وكلاهما ينظر للأمام بجدية تامة. هو.. عمي سيد.. أخو أبي الذي لم أره سوى مرتين في حياتي.. الرجل الذي قالوا عنه إنه مجرد مزارع بسيط في أقاصي الصعيد.. الرجل الذي لم أتخيل أبداً أن يكون له هذا الوجود وهذا الحضور المهيب الذي يهز المكان كله بمجرد وقوفه.
طرق على الباب. طرقة واحدة، قوية، رصينة، لا عالية ولا منخفضة، لكنها وصلت إلى أعماق الغرفة كأنها تطرق على جدران قلوبنا مباشرة. سيف نظر إليّ بعينين واسعتتين مليئتين بالذعر، ثم هرع نحو الباب، تردد للحظة، ثم فتحه بيدين مرتعشتين. دخل عمي سيد. لم ينظر إلى سيف أولاً، بل نظر مباشرة إليّ، ملقى على الأرض، والدم يغطي ملابسي، ويدي على بطني، وشحوب المۏت على وجهي.
لم تتغير ملامحه، لكن عينيه لمعتا بلمعة لم أرَ مثلها من قبل.. لمعة ڠضب صامت، عميق، كالڼار المشټعلة تحت الرماد. سار نحوي ببطء، انحنى بكل هدوء، مد يده الكبيرة الممتلئة بالخطوط والشمس، مسح بها دمعة من على خدي، وقال بصوت دافئ لكنه يحمل حزناً عميقاً سامحينا يا بنتي.. تأخرنا قليلاً.. والآن.. أنتِ في أمان.. لا تخافي من شيء أبداً..
ثم الټفت ببطء نحو سيف وميرهان، ورفع رأسه قليلاً، وقال بصوت عميق هادئ يرتجف له جدران الغرفة الآن.. تفضلوا بالجلوس.. فالحديث طويل.. ولنبدأ من البداية.. الجزء الثالث الحقيقة التي هزت العروش جلس عمي سيد على أقرب كرسي، بينما وقف الرجلان اللذان معه بجانب الباب، بلا حركة ولا كلام، كأنهم تماثيل من حديد. سيف وميرهان وقفا في منتصف الغرفة، لا يدريان أين يجلسان ولا ماذا يفعلان، فالرهبة كانت تملأ المكان، والهواء نفسه صار ثقيلاً صعب التنفس.
عمي سيد نظر إليهما للحظات طويلة، ثم بدأ يتكلم بصوت ثابت أولاً.. اسمحوا لي أن أصحح لكم بعض المعلومات الخاطئة التي تعاملتم بها مع ابنة أخي.. كنتم تعتقدون أن عائلتها مجرد عائلة بسيطة في الصعيد.. أب رحل، وأخ له لا حول له ولا قوة.. صحيح؟ ميرهان حاولت أن تستعيد بعض توازنها، وقالت بصوت ضعيف جداً نحن لم نقصد.
. كنا نظن.. لا تُكملي قطعها ببرودة هادئة فما ظننتموه ليس مجرد خطأ عادي.. بل هو جهل جعلكم تجرؤون على ما تجرؤتم عليه.. اسمعوا جيداً.. والد مريم.. أخي الراحل.. لم يكن مجرد رجل صعيدي بسيط كما تصورتموه.. بل كان واحداً من أبرز رجال القانون والقضاء في هذا البلد.. اختار أن يعيش حياة بسيطة في مسقط رأسه في الصعيد لأسباب خاصة به..
ورفض كل المناصب العليا التي عرضت عليه مراراً وتكراراً لأنه كان يؤمن بأن العزة لا تكمن في المنصب بل في النفس.. صمت للحظة، ثم أضاف بصوت أخفض قليلاً لكنه ازداد قوة وأنا سيد.. أنا لست مجرد مزارع.. أنا رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات الصعيد للتنمية والتجارة.. وأمتلك استثمارات تمتد من أسوان حتى الإسكندرية.. ولدي علاقات وصداقات مع من هم في أعلى مواقع المسؤولية في هذا الوطن.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.