دخلت بيتى

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

بكيت من الفرحة هذه المرة، بكيت لأنني وجدت الأمان الذي افتقدته طويلاً، ولأنني اكتشفت أنني لم أكن وحدي أبداً، وأن هناك من يقف خلفي ويحميني دون أن أعرف. الجزء الخامس الشفاء والبداية الجديدة مرت الأشهر التالية ببطء ولكن بثبات. انتقلت إلى بيتي الجديد، شقة صغيرة في الطابق الأول، ذات شرفة تطل على حديقة صغيرة مليئة بالزهور، الهواء فيها نقي، والشمس تدخل كل زاوية في الصباح.

لم يكن هناك صوت صړاخ، ولا نظرات احتقار، ولا تهديدات بالليل والنهار. فقط الهدوء.. الهدوء الذي طالما حلمت به. استمرت متابعة العلاج في المستشفى، وبفضل الرعاية الطبية والمتابعة المستمرة، تحسنت حالتي الجسدية تدريجياً. لكن الچرح النفسي كان يحتاج إلى وقت أطول بكثير. كنت أستيقظ أحياناً في منتصف الليل مرتجفة، أتخيل أن سيف قد عاد، أو أن ميرهان تطرق على الباب لتوبخني على شيء لم أفعله.

لكن في كل مرة، أتذكر أنني في بيتي، وآمنة، وأن الباب مغلق، وأن هناك من يحميني، فأعود للنوم مطمئنة. في الشهر الخامس، أخبرني الطبيب أن الجنين قد تجاوز مرحلة الخطړ، وأن نبضه أصبح قوياً جداً. بكيت من السعادة، ووضعت يدي على بطني وأحدث طفلي بصوت خفي سنكون بخير يا صغيري.. سنكون بخير معاً.. بدأت أمارس حياتي ببطء.

اشتريت كراسة وقلم، وبدأت أكتب. لم أكن أعرف ماذا أكتب في البداية، فقط كنت أسجل ما حدث لي، شعوري، آلامي، وأمالي. ثم تحولت الكتابة إلى قصص، ثم إلى مقالات عن حقوق المرأة، عن العـ,ـڼف المنزلي، عن الصمت الذي نعيشه خوفاً من الكلام. أرسلت بعضها لمواقع إلكترونية ومجلات، وفوجئت بقبولها وقراءة الناس لها، وبدأت رسائل التعاطف تصلني من نساء في مواجهات مماثلة، يقولن لي إن قصتي أعطتهن الأمل والشجاعة للطلب للمساعدة.

عرفت أن معاناتي لم تذهب سدى، وأن هناك فائدة كبيرة يمكن أن تخرج من هذا الألم إذا حولته إلى قوة للخير. زارني عمي سيد بين الحين والآخر، أحياناً يأتي وحده، وأحياناً مع أفراد من العائلة، وكنا نتناول الغداء معاً، وكان يحدثني عن أبي، عن طفولته، عن أسباب اختياره العيش في الصعيد، وعن القيم التي رباني عليها دون أن أشعر.

علمت أن أبي كان يعلم أنني قد أواجه صعوبات في الحياة بمفردي، ولهذا ترك لي كل ما أحتاجه، وترك أيضاً وصية لعمي سيد بأن لا يتدخل في حياتي إلا عندما أكون في حاجة ماسة، لكي أتعلم الاعتماد على نفسي أولاً، ولكي أجد طريقي بنفسي. والدك كان يؤمن بأن أعظم هدية يمكن أن تمنحها لابنك هي الحرية والثقة قال لي عمي سيد ذات يوم لكنه كان يعلم أيضاً أن الحرية بلا حماية قد تكون خطېرة.

. لذلك كان يراقبكِ من بعيد، ويبقى جاهزاً للتدخل في اللحظة المناسبة.. وقد جاءت تلك اللحظة.. وأثبتِ أنكِ تستحقين هذه الثقة. وفي هذه الأثناء، كانت الأحداث القانونية تسير في مسارها الصحيح. حُكم على سيف بالسجن لمدة خمس سنوات پتهمة الاعتداء والإصابة العمدية، بالإضافة إلى سنتين إضافيتين لتهـ,ـديده پالقـ,ـتل والابتـ,ـزاز. أما ميرهان، فلم تُسلم هي الأخرى، حيث ثبت أنها كانت شريكة في التخطيط والتحريض، وحُكم عليها بالسجن لمدة عامين، وبعد انتهاء فترة عقوبتها سوف تعيش في عزلة تامة، حيث ابتعد عنها كل من كان يعرفها، ولم يبقَ معها أحد.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NR

Nasr Rafat ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
222مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

صد.مة شهر العسل روايات

صد.مة شهر العسل

في رحلة شهر العسل، البحر دوّخني، فرجعت للكابينة أدور على دوا يهدّي معدتي. ماكنتش أعرف إن ر…

Nasr Rafat 0.0 13 دقائق