وقبل ما أقدر أتكلم، جهاز التسجيل اشتغل للمرة الأخيرة. وصوت عمر قال: (يا بابا لو سمعت الكلام ده، بص في المراية). بصيت ناحية المرآة المعلقة على الحائط. وفجأة لاحظت حاجة ما كنتش واخد بالي منها طوال الوقت: انعكاسي كان واقف مكاني، لكن الرجل اللي شبهي كان واقف ورايا في المرآة، رغم إنه واقف قدامي!
وقبل ما عبد السميع يقدر يستوعب الجملة، المسجل طلع منه صوت تشويش عالي، وبعده صوت عمر رجع تاني: ـ افتكر أول دقيقة… أول دقيقة قبل ما العربية تتحرك. عبد السميع غمّض عينيه. وفجأة صورة قديمة ضــ,,ـــــربت في دماغه. كان واقف قدام العربية. عمر جنبه. وكان فيه راجل تالت واقف بعيد. لكن وشه ماكانش واضح. عبد السميع فتح عينيه بسرعة وقال: ـ أنا فاكر!
الرجل اللي شبهه ابتسم من غير ما يتكلم. عبد السميع قرب من المراية وقال: ـ الراجل ده كان موجود يوم الدــ,,ـــــادثة! المسجل اشتغل مرة تانية، وصوت عمر قال: ـ أيوه يا بابا، بس مش هو اللي لازم تخاف منه. عبد السميع اتجمد: ـ أمال مين؟ ثواني من الصمت، وبعدين عمر قال: ـ الشخص اللي لازم تخاف منه كان واقف جنبك قبل الدــ,,ـــــادثة بدقيقة. عبد السميع بدأ يفتش في جيوبه بعصبية، كأنه بيحاول يلاقي أي دليل.
وفجأة افتكر حاجة. قبل ما العربية تتحرك يوم الدــ,,ـــــادثة، عمر كان ماسك موبايله، وقال له: ـ بابا، استنى، لازم أوريك حاجة. لكن عبد السميع وقتها كان مستعجل، قال له: ـ بعدين يا عمر. عمر بص له نظرة غريبة، وحط الموبايل في جيبه، ثم ركب العربية. عبد السميع فتح عينيه: ـ الموبايل! صرخ وهو بيجري ناحية الباب: ـ موبايل عمر كان معايا بعد الدــ,,ـــــادثة! الطبيب بص له بصدمة: ـ إزاي؟
عبد السميع رد: ـ أنا فاكر إن الشرطة سلّمتهولي، لما رجعت البيت، الموبايل اختفى! الرجل اللي شبه عبد السميع لأول مرة ملامحه اتغيرت، وقال بهدوء: ـ لأنه ما اختفاش. ـ أمال فين؟ مد الرجل إيده داخل معطفه، وطلع موبايل قديم متكسر الشاشة، وحطه قدام عبد السميع: ـ ده موبايل عمر. وفي اللحظة دي وصل إشعار على الشاشة. رسالة واحدة. من رقم غير مسجل. ومكتوب فيها: (لو أبوك افتكر الحقيقة، ما تخلوهوش يوصل للبيت).
بص عبد السميع للمراية تاني، وحسّ إن الدم اتجمد في عروقه. الراجل اللي واقف وراه ماكانش مجرد شبهه… كان هو نفسه! نفس شكل الوجه، نفس الشيب الخفيف عند الصدغ، وحتى الندبة الصغيرة فوق الحاجب. عبد السميع لف بسرعة. ماكانش فيه حد. لكن لما رجع يبص للمراية… الراجل كان لسه موجود! رفع إيده ببطء، وأشار ناحية رقبة عبد السميع، وقال: ـ بص كويس، العلامة دي مش موجودة عندك من زمان.
عبد السميع لمس رقبته. وفعلًا، كان فيه أثر رفيع جدًا، زي أثر جرح قديم، عمره ما افتكره. صرخ: ـ إنت مين؟! جاله صوت الرجل من وراه، رغم إن المكان كان فاضي: ـ أنا اللي كان المفروض يرجع بيتك من تسع سنين. عبد السميع اتراجع، وخبط في الترابيزة. وقعت منها صورة قديمة. انحنى بسرعة ورفعها. كانت صورة لعمر وهو طفل، واقف جنب أبوه قدام البيت.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.